• ×

01:07 صباحًا , الجمعة 21 رجب 1442 / 5 مارس 2021

خطيب الحرم : " الأمراض المعدية " والمسؤولية المُشتركة للحِفاظ على الإنسانيَّة .

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
إخبارية بقعاء - مكة المكرمة . 

ألقى فضيلة الشيخ صالح بن عبد الله بن حميد - حفظه الله - خطبة الجمعة بعنوان: "الأمراض المُعدية"، والتي تحدَّث فيها عن المسؤولية المُشتركة للحِفاظ على الإنسانيَّة، وحقيقة العدوى، وموقف المسلم من الأمراض المعدية، وذكر الأسباب العلاجِية والوِقائيَّة من هذه الأمراض، وأهمية الحَجر الصحِّيّ لأصحاب الأمراض الفتاكة، وعرّج على أسباب نشأة وانتِشار هذه الأوبئة الفتاكة.

وأضاف الشيخ: حفِظَ الإسلامُ الإنسانَ في دينِه ونفسِه وعقلِه ونسلِه ومالِه، وحفِظَ عليه عقيدتَه وعبادتَه، وصحَّتَه وعافيتَه. والبشرُ في ميزان الشرع مُتساوُون في أصل الكرامة الإنسانية، والحقوق والمسؤولية .. لا تفاضُل إلا بالتقوى.


مقطع فيديو لخطبة الحرم المكي 1436/2/13 هـ
http://www.youtube.com/watch?v=so6ks4OYIK0


ونوَّه الشيخ إلى أن: العدوَى حقٌّ، وهي تُعدِي - بإذن الله - وتقديرِه وجعلِه، ومعلومٌ طبعًا وواقعًا أن العدوَى تُصيبُ بعضَ الناس دون بعضٍ؛ فالعدوَى إذا أذِنَ الله أعدَت وسرَت، وإن لم يأذَن لم تُعدِ ولم تنتقِل، وبعضُ من يُخالِطُ المريضَ مُصاب، وآخرُ لا يُصاب، والجميعُ في مكانٍ واحدٍ.

ودخولُ المُعدِيات إلى البدَن لا يلزمُ منه حصولُ العدوَى، ومن هنا قال - عليه الصلاة والسلام -: «لا عدوَى ولا طِيَرَة، ولا هامَةَ ولا صفَر، وفِرَّ من المجذُوم فِرارَك من الأسَد»؛ (أخرجه البخاري تعليقًا، ووصلَه أبو نُعيم وابنُ خُزيمَة)، أي: أن المُخالطَة من الأسباب، والأسبابُ قد تُنتِجُ وقد لا تُنتِج. فالله - عزَّ شأنُه وتعالى سُلطانُه - هو ربُّ الأرباب، وهو مُسبِّبُ الأسباب، لا إله إلا هو، وقد قال - عزَّ شأنُه - في السِّحر: ( وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) [البقرة: 102].

والمُؤمنُ يرُدُّ قدَرَ الله بقدَرِ الله. فالأمراضُ والأدويةُ والعلاجُ والشفاءُ كلُّها بقدَرِ الله وإذنِه ورحمتِه. وشرعُنا جمعَ بين التوكُّل والأخذ بالأسباب؛ فالتداوِي يدفعُ المرض - بإذن الله - كما يدفعُ الأكلُ الجوعَ، وكما يدفعُ الماءُ العطشَ، والحرُّ والبردُ تُدفعُ بأضدادها.

وأضاف: ومن ابتُلِيَ بشيءٍ من هذه الأمراض المُعدِية فينبغي أن يبذُلَ من الأسباب ما يُؤدِّي إلى سلامتِه وسلامةِ نسلِه وأولادِه، باختِيارِ زوجٍ أو زوجةٍ لا يتأثَّرُ نسلُها بمرضِه، ويُراجِعُ في ذلك أهلَ الاختِصاص من الأطباء والخُبراء ليُرشِدوه إلى ما يُناسِبُ حالَه، مع ما ينبغي من الاهتِمام بالكشفِ الطبِّي قبل الزواج، والمصالِح الكبيرة المُترتِّبة عليه، وما لوليِّ الأمر من حقِّ الإلزام؛ إذ تصرُّفُه منُوطٌ بالمصلَحة العامَّة كما يُقرِّرُ أهلُ العلم.

وينبغي للخطِيبَين إخبارُ كل واحدٍ منهما صاحبَه بما يحمِلُه من مرضٍ ليكونَ على بيِّنةٍ، وليتَّخِذَ من الإجراءات والاحتِياطات التي تجلِبُ لهما السلامةَ - بإذن الله - ولذرِّيَّتهما، وتمنعُ انتِشارَ المرض فيهم وفي ذُرِّيَّتهم.

وبيّن الشيخ أن من الأسبابِ النافِعةِ - بإذن الله -: أخذُ اللِّقاحات والتطعيمَات؛ لما عُلِم من فائدتها وكبير أثرِها.

ومن الأسباب العلاجِية والوِقائيَّة: الطهارة والنظافة، وقد حضَّ دينُنا على الطهارة، وجعلَها من الإيمان؛ بل جعلَها شطرَ الإيمان في قولِه - صلى الله عليه وسلم -: «الطُّهور شطرُ الإيمان».

وأضاف الشيخ: ومن التوجيهات في ذلك: نظافةُ البيوت والأفنِية والطُّرق، وإماطةُ الأذى عن الطريق صدقةٌ، والنهيُ عن التبوُّل في المياه الراكِدة والدائِمة، وتلويثِ موارِد الناس وأماكِن استِظلالهم وتنزُّههم وجُلوسِهم ومرافِقِهم، بالبَول أو الغائِط أو غيرِها من المُلوِّثات، وإماطةُ كل ما يُؤذِي الناسَ ويُكدِّرُهم.

ومن النظافة: وضعُ اليَد والمِنديلِ ونحوِه على الفَم والأنفِ حين العِطاس والسُّعال وغيرِها. والمنعُ من التنفُّس في الإناء، وتجنُّب استِعمال أدواتِ المُصاب.

ونوّه فضيلته إلى أن من الجمعِ بين الأخذ بالأسبابِ واليقين وحُسن التوكُّل ما يُعرَفُ بـ "الحَجر الصحِّيّ"، وهو عزلُ المُصابين عن الأصِحَّاء، وفي ذلك جاء التوجيهُ النبويُّ: «لا يُورَدُ مُمرِضٌ على مُصِحٍّ» (أخرجه البخاري).

وما جاء في "الصحاح" و"السنن" أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: «إن هذا الطاعُون رِجزٌ وبقيةُ عذابٍ، عُذِّبَ به أناسٌ قبلَكم، فإذا كان بأرضٍ وأنتم فيها فلا تخرُجوا منها، وإذا بلغَكم أنه بأرضٍ فلا تدخُلُوها». والمُرادُ بالطاعُون: كلُّ مرضٍ يعُمُّ ويسرِي وينتقِل.

وحذر الشيخ من مخالطة أصحاب الأمراض المعدية فقال: ومما ذكرَ أهلُ العلم في ذلك: أن المُصابَ لا يحضُرُ مجامِعَ الناس إذا كان مرضُهُ ينتقِلُ بالمُخالطَة من مُجالسَةٍ أو مُلامَسَةٍ أو تنفُّسٍ، فلا يحضُرُ الجُمعةَ ولا الجماعةَ، ومثلُ ذلك: السفرُ إلى الحجِّ والعُمرة والزيارة؛ لما يحصُلُ بذلك من الضرر والأذى. قالوا - أهلُ العلم - قالوا: "وهو أشدُّ من أذى الثُّوم والبصَل والكُرَّاث".

وليعلَم المريضُ الذي منعَه المرضُ - شفَاه الله وعافاه -، ليعلَمَ أن ثوابَ هذه الأعمال الصالِحة من جُمعةٍ وجماعةٍ، وحجٍّ وعُمرةٍ، وغيرها له كاملةٌ - إن شاء الله - إذا علِمَ الله صدقَ نيَّته وحِرصَه ولكن أقعدَه المرضُ، سواءٌ أقعَدَه لمصلَحة نفسِه أو لمصلَحة إخوانِه؛ لعُموم حديثِ: «إذا مرِضَ العبدُ أو سافرَ كُتِبَ له ما كان يعملُ صحيحًا مُقيمًا» (رواه البخاري).

وأضاف فضيلته: ومما ينبغي الالتِفاتُ إليه: بذلُ العنايةِ الخاصَّةِ بالمُصابين - بأهل الأمراض - عافاهم الله وعجَّل شفاءَهم -، وحُسن رعايتهم الرعايةَ الخاصَّة والمُعاملة التي تتطلَّبُها مثلُ هذه الأمراض، ولاسيَّما الأطفال في حضانتهم ورضاعِهم ورعايتهم.

مع ما يجبُ التنبيهُ إليه من حفظِ كرامةِ هؤلاء المُبتلَين، وعدم التطاوُل عليهم بلفظٍ أو إشارةٍ أو تندُّرٍ أو شماتةٍ أو استِهزاءٍ أو الازدِراءِ بأيِّ صُورةٍ من الصُّور، ناهِيكم بقذفِه - عياذًا بالله - في عِرضِه. وحينئذٍ يجبُ اتخاذُ الجزاء الرادِع في حقِّ هذا المُتجاوِز، وقد يكونُ بإقامةِ حدِّ القذفِ عليه.

وختم الشيخ خطبته بالتذكير بأن الذنوب والمعاصي من أهم أسباب انتشار الأوبئة والأمراض المعدية فقال: لقد نبَّه أهلُ العلم أنه عند حُصولِ وباءٍ عامٍّ أن يُبادِرَ المُسلِمون بالتضرُّع إلى الله، واللُّجوءِ إليه بالدعاء والاستِغفار؛ فالدعاءُ لرفعِ الوباء مشروعٌ، وقد دعا النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن يرفعَ الوباءَ عن المدينة حين هاجَرَ إليها، دعا أن يرفعَ وباءَها إلى مهيَعَة. وقد وردَ أن الطَّاعُون وخزٌ من الشيطان، فإذا أكثرَ العبدُ من ذكرِ الله ابتعَدَ الشيطان.

ولم تُرفَع المصائِب والابتِلاءات بمثلِ اللُّجوءِ إلى الله، والتعلُّق به، والذِّكر والاستِغفار، (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ) [هود: 52]، (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ) [هود: 3].

ولاسيَّما - حفظكم الله - أن سببَ انتِشار هذه الأمراض ونُشوئِها: التهاوُن في اقتِرافِ الفواحِش، والإسرافُ في المُحرَّم من الملذَّات، وإطلاقُ العنان للمنوعِ من الشَّهَوات، والعُهرُ والمُجونُ والشُّذوذُ الجنسيُّ والزِّنا، والإحصاءات العالميةُ في ذلك مُخيفةٌ ومُقلِقةٌ ومُؤذِنةٌ بهلاكٍ ودمارٍ، ناهِيكم بأن من تعمَّد نشرَ الأمراض المُعدِية فهو مُفسِدٌ يستوجِبُ العقوبةَ الرَّادِعة.


بواسطة : admin
 0  0  1.4K
التعليقات ( 0 )

جديد الأخبار

نظم ميدان فروسية محافظة بقعاء حفل سباقه الثامن على كاس ودعم ميدان فروسية بقعاء..

Rss قاريء